السيد محمد حسين فضل الله
153
من وحي القرآن
والإنذار وإنزال الكتاب - وهذا هو الوحي - ليبينوا للناس الحق في الاعتقاد والحق في العمل . وبعبارة أخرى ، لهداية الناس إلى حق الاعتقاد وحق العمل ، وهذا هو غرضه سبحانه في بعثهم ، وقد قال تعالى : لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى [ طه : 52 ] ، فبيّن أنه لا يضل في فعله ولا يخطئ في شأنه . فإذا أراد شيئا فإنما يريده من طريقه الموصل إليه من غير خطأ ، وإذا سلك بفعل إلى غاية ، فلا يضل في سلوكه ، وكيف لا ، وبيده الخلق والأمر ، وله الملك والحكم ، وقد بعث الأنبياء بالوحي إليهم وتفهيمهم معارف الدين ، وبالرسالة لتبليغها للناس . وقال تعالى أيضا : إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً [ الطلاق : 3 ] ، وقال أيضا : وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ [ يوسف : 21 ] » « 1 » . ونلاحظ على ذلك ، أنّ ما ذكره لا يلازم ما ذكره من العصمة عن الخطأ في التبليغ ، فإنّ هداية الناس إلى حق الاعتقاد وحق العمل ، كما أنّ الحديث عن « أنّ اللّه إذا أراد شيئا فإنما يريده من طريقه الموصل إليه من غير خطأ وإذا سلك بفعل إلى غاية ، فلا يضل في سلوكه » لا يقتضي إلا أن يصل الوحي إلى الناس لهدايتهم كاملا غير منقوص ، وهذا ما يؤكد وصوله عن طريقه من غير خطأ ، ولا ملازمة بين ذلك وبين العصمة ، فإن من الممكن - من الناحية التجريدية - أن يخطئ النبي في تبليغ آية أو ينساها ، في وقت معين ، ليصحح ذلك ويصوّبه بعد ذلك ، لتأخذ الآية صيغتها الكاملة الصحيحة . وإذا قيل : إن احتمال الخطأ والنسيان إذا كان واردا في الحالة الأولى ، فهو موجود في الحالة الثانية ، مما يؤدي إلى فقدان الأساس الذي يحصل من خلاله الإيمان بواقع الآية في الوحي المنزل ، فلا يصير الإنسان إلى يقين بذلك ؟ ! فإن الجواب هو : من الممكن تقديم القرائن القطعية في الحالة الثانية ، التي تؤدي إلى اليقين ، تماما كما قيل في مسألة سهو النبي ، في رأي الشيخ الصدوق على أساس بعض الروايات التي أوضح النبي فيها القضية من دون لبس بالطريقة التي اقتنع فيها
--> ( 1 ) تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 136 - 137 .